وسائل التواصل الاجتماعي: بين كونها مصدرًا للمعلومات وتهديدًا للصحة النفسية لدى الطلاب
وسائل التواصل الاجتماعي: بين كونها مصدرًا للمعلومات وتهديدًا للصحة النفسية لدى الطلاب

في العصر الرقمي الحالي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الطلاب. فمنصات مثل إنستغرام، وإكس (تويتر سابقًا)، وتيك توك، وواتساب لا تُستخدم فقط لأغراض الترفيه، بل أصبحت أيضًا فضاءً للحصول على المعلومات، وبناء الشبكات الأكاديمية، والتعبير عن الهوية الشخصية. ويُنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي من قبل كثير من الطلاب بوصفها «مجالًا عامًا جديدًا» يتيح تبادل الأفكار بسرعة ودون قيود مكانية. غير أن هذه المزايا تخفي وراءها العديد من التحديات والمشكلات، ولا سيما تلك المتعلقة بالصحة النفسية.

وبوصفها مصدرًا للمعلومات، تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في دعم الأنشطة الأكاديمية للطلاب. إذ يمكن الوصول بسهولة وسرعة إلى المعلومات المتعلقة بالمنح الدراسية، والندوات العلمية، وفرص التدريب، والقضايا الاجتماعية والسياسية. كما يستفيد العديد من الطلاب من هذه المنصات لمتابعة الحسابات التعليمية، والمجتمعات الأكاديمية، وأعضاء هيئة التدريس، والمؤسسات التعليمية. وفي هذا السياق، تُعد وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة بديلة تكمل مصادر المعرفة التقليدية مثل الكتب والمجلات العلمية. وقد أسهمت سهولة الوصول إلى المعلومات في جعل الطلاب أكثر تفاعلًا مع المستجدات والقضايا المعاصرة.

إلا أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي يترتب عليه آثار نفسية متعددة. فالتعرض المفرط للمعلومات، أو ما يُعرف بـ «الإفراط المعلوماتي»، قد يجعل الطلاب يشعرون بالضغط والقلق والإرهاق الذهني. كما أن ثقافة المقارنة الاجتماعية الناتجة عن مشاهدة الإنجازات وأنماط الحياة ومعايير النجاح المثالية التي ينشرها الآخرون قد تؤدي إلى الشعور بالنقص وضعف تقدير الذات. وغالبًا ما يقارن الطلاب، دون وعي، مسار حياتهم الحقيقي بالصور المنتقاة بعناية التي يعرضها الآخرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تسهم هذه الحالة في زيادة مستويات التوتر والقلق وتراجع الثقة بالنفس.

علاوة على ذلك، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار ظاهرة «الخوف من فوات الفرص» (FOMO) بين الطلاب. فخشية التخلف عن مواكبة الاتجاهات الجديدة أو الأنشطة الاجتماعية أو إنجازات الأقران تدفع الكثيرين إلى البقاء متصلين بالإنترنت بشكل مستمر. ونتيجة لذلك، تصبح الحدود بين الحياة الشخصية والفضاء الرقمي غير واضحة. ويتأثر وقت الراحة، وتنخفض القدرة على التركيز في الدراسة، كما تتراجع التفاعلات الاجتماعية المباشرة. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي ذلك إلى الإرهاق النفسي وتدهور جودة الصحة النفسية.

ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها تهديدًا مطلقًا. فالمشكلة الأساسية تكمن في أنماط الاستخدام ومستوى الوعي الرقمي لدى الطلاب. فعندما تُستخدم هذه الوسائل بطريقة نقدية ومتوازنة، يمكن أن تتحول إلى مساحة للدعم الاجتماعي. إذ يجد العديد من الطلاب مجتمعات رقمية يتبادلون فيها الخبرات والتجارب المتعلقة بالصحة النفسية، والضغوط الأكاديمية، وتحديات الحياة الجامعية. وتساعد هذه المساحات الحوارية الطلاب على الشعور بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة مشكلاتهم.

ومن ثم، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تحتل موقعًا مزدوجًا؛ فهي من جهة وسيلة للحصول على المعلومات وبناء العلاقات، ومن جهة أخرى قد تشكل خطرًا على الصحة النفسية للطلاب. والتحدي الحقيقي في المستقبل لا يتمثل في الابتعاد الكامل عنها، بل في تعزيز الثقافة الرقمية والوعي النفسي عند استخدامها. ويحتاج الطلاب إلى تعلم إدارة وقت استخدام الشاشات، وانتقاء المعلومات بعناية، وبناء علاقة صحية ومتوازنة مع العالم الرقمي. ومن خلال ذلك يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تظل أداةً نافعة ومنتجة دون أن تكون على حساب الصحة النفسية لمستخدميها.

الكاتبة: إينّا فتاحنة حنيفة

المحرر والمراجع: محمد حسين فضل الله

مصدر الصورة: StickEarn

المراجع

  • Kuss, D. J., & Griffiths, M. D. (2017). Social Networking Sites and Addiction: Ten Lessons Learned. International Journal of Environmental Research and Public Health, 14(3).
  • Primack, B. A., et al. (2017). Social Media Use and Perceived Social Isolation Among Young Adults. American Journal of Preventive Medicine, 53(1).
  • Twenge, J. M. (2019). iGen: Why Today’s Super-Connected Kids Are Growing Up Less Rebellious, More Tolerant, Less Happy. New York: Atria Books.