الباتيك: من الحكمة المحلية إلى التراث الثقافي غير المادي للبشرية
الباتيك: من الحكمة المحلية إلى التراث الثقافي غير المادي للبشرية

الباتيك نسيج تقليدي ارتبط منذ زمن طويل بحياة المجتمع الجاوي، حتى أصبح أحد أشكال الحكمة المحلية التي ظلت راسخة ولم تندثر بمرور الزمن. وفي العصر الحاضر، وعلى الرغم من الانتشار الواسع لأنماط الملابس المتأثرة بالموضة الغربية، لا يزال الباتيك يحتفظ بمكانته المميزة لدى محبيه. ولذلك، ليس من المستغرب أن يظل له موقع خاص في قلوب أبناء المجتمع الإندونيسي.

وتتميز أقمشة الباتيك بزخارفها المتنوعة والجميلة والجذابة، فضلًا عن أن عملية إنتاجها تتم في الغالب يدويًّا وتتطلب قدرًا كبيرًا من الإبداع من الحرفيين. كما تمنح من يرتديها مظهرًا أنيقًا ومرتبًا. وقد ساعدت هذه الخصائص الباتيك على الاستمرار رغم تغير الأزمنة وظهور اتجاهات جديدة في الموضة الغربية.

ومع ذلك، لا يزال كثير من الإندونيسيين لا يعرفون بصورة كاملة كيف استطاع الباتيك الحفاظ على وجوده ومواصلة تقديم ابتكارات وتصاميم جديدة جعلته يظل محبوبًا لدى المجتمع الإندونيسي.

من الناحية اللغوية، يرتبط لفظ «باتيك» بكلمتين من اللغة الجاوية، هما: أمبا (Amba) التي تعني «الكتابة»، ونيتيك (Nitik) التي تعني «صنع النقاط». ويشير الجمع بين الكلمتين إلى عملية الكتابة أو الرسم باستخدام الشمع.

وقد عرّف حمزوري الباتيك في كتابه المعنون الباتيك الكلاسيكي بأنه طريقة لتزيين القماش من خلال تغطية أجزاء معينة منه بمادة عازلة تمنع وصول اللون إليها.

وبوجه عام، يُصنع الباتيك عن طريق رسم الزخارف على القماش باستخدام أداة تقليدية تُسمّى التشانتينغ، وهي أداة تُستخدم لوضع الشمع الساخن على النسيج. ونظرًا إلى صغر رأس هذه الأداة، يبدو الحرفي كأنه يرسم نقاطًا صغيرة متتابعة على سطح القماش. وعلى الرغم من تطور زخارف الباتيك في الوقت الحاضر وتنوعها بصورة كبيرة، فإن زخارفه الأولى كانت تاريخيًّا تتكون في الغالب من النقاط والأشكال المستوحاة من النباتات.

كانت ثقافة صناعة الباتيك في بدايتها محصورة داخل بيئة القصور الملكية، ولا سيما بين طبقة النبلاء. ولذلك، لم يكن مسموحًا لعامة الناس بارتداء جميع أنواع الباتيك، خصوصًا بعض الزخارف التي صُنفت بوصفها أنماطًا محظورة على الجمهور العام.

ولكن نظرًا إلى أن عددًا كبيرًا من خدم القصر كانوا يعيشون خارج أسواره، انتقلت ثقافة صناعة الباتيك تدريجيًّا إلى المجتمع المحيط. وبدأ السكان المحليون يتعلمون تقنيات صناعته من خدم القصر المقيمين بينهم. وقد أصبح هذا التطور فيما بعد أساسًا لتحول الباتيك من منتج يُصنع للاستخدام الشخصي إلى سلعة تُنتج لتلبية الاحتياجات الصناعية والتجارية.

لقد استمرت الأنشطة الصناعية قرونًا طويلة في الحضارة الإنسانية. فمنذ انطلاق الثورة الصناعية في إنجلترا في أواخر القرن الثامن عشر، ثم تطورها وصولًا إلى عصر الثورة الصناعية الرابعة في الوقت الحاضر، حدثت تغيرات كثيرة ومهمة (Wrigley, 2018).

وتنتشر صناعات عديدة في مناطق مختلفة من إندونيسيا، غير أن هذه المقالة تركز على منطقة يوجياكارتا الخاصة. وتتكون صناعة الباتيك المحلية في إندونيسيا عمومًا من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تستخدم تقنيات إنتاج منخفضة أو متوسطة المستوى، وتتميز بتوجه ريادي محدود نسبيًّا، كما تلجأ في كثير من الأحيان إلى تقليد المنتجات القائمة والاستفادة من نماذج وتصاميم مأخوذة من مصادر خارجية (Poon, 2017).

وقد بلغ عدد سكان يوجياكارتا العاملين في القطاع الصناعي 163,397 شخصًا، أي ما يعادل نحو 10.6 في المئة من السكان (Sitsen, 1937). وعندما كانت إندونيسيا لا تزال خاضعة لحكم جزر الهند الشرقية الهولندية، بذلت الإدارة الاستعمارية الهولندية جهودًا جادة لإدارة صناعة الباتيك وتطويرها في جزيرة جاوة.

وفي عام 1922، أُنشئت مؤسسة Textile Inrichting en Batik Proefstation في مدينة باندونغ. وقد أُسست هذه المؤسسة لدعم أنشطة النسيج في جزيرة جاوة، ولا سيما صناعة الباتيك في يوجياكارتا. ومثلت هذه المرحلة بداية انتقال الباتيك من كونه حاجة شخصية لنبلاء القصور إلى سلعة صناعية ومصدر رزق لأفراد المجتمع.

ولم يكن تطور الباتيك مدعومًا فقط بنمو صناعته في مناطق متعددة من إندونيسيا، بل حظي أيضًا بدعم عدد من رؤساء جمهورية إندونيسيا. ففي عهد الرئيس سوكارنو، جرى تعزيز الهوية الوطنية من خلال تقدير الفنون التي أبدعتها أيدي الحرفيين الإندونيسيين.

وفي عهد الرئيس سوهارتو، قُدِّم الباتيك إلى القادة الدوليين خلال مؤتمر التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، الذي عُقد في قصر بوغور عام 1994. وقد أدرك الرئيس سوهارتو وجود فرصة كبيرة لتعريف المجتمع الدولي بفن صناعة الباتيك، وأصبحت هذه المناسبة محطة مهمة في بداية انتشار الباتيك والتعريف به عالميًّا.

وبلغت هذه الجهود ذروتها في عهد سوسيلو بامبانغ يودويونو، الرئيس السادس لجمهورية إندونيسيا، عندما اقتُرح إدراج الباتيك بوصفه جزءًا من التراث الثقافي الإندونيسي. وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2009، اعترفت به منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» على المستوى الدولي، وأدرجته في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

ويترتب على إدراج الباتيك في قائمة اليونسكو تحمّل المجتمع الإندونيسي مسؤولية حمايته والمحافظة على تقاليد صناعته.

وقد أدى هذا الاعتراف إلى تنامي مشاعر المحبة والالتزام لدى الإندونيسيين بالحفاظ على الباتيك. وشملت جهود المحافظة عليه الحكومة والطلاب وطلبة الجامعات وأفراد المجتمع المدني.

ومن أمثلة ذلك ما تطبقه كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا. فمن خلال أحد برامجها، يُلزم الطلاب بارتداء ملابس الباتيك كل يوم ثلاثاء، بهدف غرس مشاعر المحبة والفخر والتقدير للفنون والثقافات التقليدية الإندونيسية.

كما أعلنت الحكومة الإندونيسية تاريخ اعتراف اليونسكو بالباتيك تراثًا ثقافيًّا غير مادي للبشرية يومًا وطنيًّا للباتيك. وهكذا، نجح الباتيك في التحول من أحد أشكال الحكمة المحلية للمجتمع إلى تراث ثقافي غير مادي للبشرية يحظى باعتراف دولي.

الكاتب: أحمد دافا راسيدي

المراجع

Abdullah, F., & Wardoyo, B. T. (2020). Jejak-Jejak Dinamika Industri Batik Yogyakarta 1920–1930. Dinamika Kerajinan dan Batik: Majalah Ilmiah, 37(1), 15–24. https://doi.org/10.22322/dkb.v36i1.4149

Trixie, A. A. (2020). Filosofi Motif Batik Sebagai Identitas Bangsa Indonesia. Folio, 1(1), 1–9.

Widadi, Z. (2019). Pemaknaan Batik Sebagai Warisan Budaya Takbenda. Jurnal PENA, 33(2), 17–27.